كيف يمكن أن نضع قيمة لحياة إنسان؟
لا أعرف إن كان السؤال نفسه عادلاً. فمنذ اللحظة التي نسأل فيها: «كَم تساوي؟»، نكون قد افترضنا أنّ هناك ما يمكن قياسه، وأنّ للحياة وزناً، وأننا إذا امتلكنا المعايير الصحيحة سنعرف أي حياة ترجّح الأخرى.
لكن ماذا يحدث عندما نُضطر فعلاً إلى الاختيار؟
هناك تجربة فكرية شهيرة في الفلسفة الأخلاقية تُعرف بـ«معضلة القطار». تخيَّل قطاراً مندفعاً نحو خمسة أشخاص على السكة، لا يستطيعون الابتعاد عن مساره. وأنت تقف بالقرب من ذراع تستطيع من خلالها تحويل القطار إلى مسار آخر، لكن على ذلك المسار يوجد شخص واحد.
إن لم تفعل شيئاً، سيموت خمسة. وإن حرَّكت الذراع، سيموت واحد. ماذا ستفعل؟
من بعيد، تبدو الإجابة سهلة: خمسة أكبر من واحد. هذه حقيقة حسابية، لكن هل تظل بالبساطة نفسها عندما نترجمها أخلاقياً؟ ماذا لو كان ذلك الواحد طفلاً؟ ماذا لو كان أحد الخمسة شخصاً تحبّه؟ ماذا لو كنت تعرف الواحد، تعرف اسمه وحكايته، بينما لا تعرف شيئاً عن الخمسة؟ هل ستبقى الأرقام بالقيمة نفسها؟
وفي صيغة أخرى من المعضلة، لا توجد ذراع لتحريكها، بل يتطلّب إنقاذ الآخرين أن تدفع إنساناً بيدك ليقف في طريق القطار. الأرقام لم تتغيَّر؛ ما زالوا خمسة في مقابل واحد. لكنّ شيئاً فينا تغيّر. تتدخّل الذاكرة، والمحبة، والخوف، والضمير. ويتحرَّك الإنسان فينا.
تقول النفعية، إنّ الفعل الأفضل هو الذي يحقق أكبر منفعة ويقلّل الضرر؛ ومن هذا المنظور، يبدو إنقاذ خمسة أشخاص على حساب شخص واحد أكثر عقلانية. لكنّ الأخلاق لا تتوقف عند النتيجة. فهي تسأل أيضاً عن الطريق الذي أوصلنا إليها، وعن الثمن الذي دفعه شخص لم يختر أن يكون هو الثمن.
هل يصبح الإنسان قابلاً للتضحية به لأنّ عدد الآخرين أكبر؟
ربما لهذا بقيت معضلة القطار حاضرة حتى اليوم. فهي لا تختبر قدرتنا على الحساب بقدر ما تكشف شيئاً في الطريقة التي نصدر بها أحكامنا، عندما تتحوَّل الحياة من فكرة بعيدة إلى إنسان أمامنا.
ونحن نفعل ذلك خارج الفلسفة أيضاً. نسمع أنّ المئات أو الآلاف ماتوا في مكان ما، فنحاول استيعاب الرقم. ثم نعرف قصة شخص واحد منهم؛ نرى صورته، نعرف اسمه، ماذا كان يحب، ومَن كان ينتظره في المنزل. فجأة يصبح الأمر مختلفاً.
لم يتغيَّر الموت. الرقم هو الذي أصبح له وجه. وربما لهذا نحتاج إلى الأرقام لنفهم حجم الخسارة، لكنّنا نحتاج إلى الحكاية لنفهم معناها.
ومع ذلك، تعلّمنا أن نحسب أشياء كثيرة تتصل بحياة الإنسان وموته. هناك التأمين، والتعويضات، والخسائر الاقتصادية، وسنوات العمل والإنتاج التي كان يمكن أن تستمر. وهي حسابات قد تكون ضرورية لتنظيم شؤون الحياة والحقوق، لكنّها تقيس ما ترتب على الفقد، لا قيمة من فُقد.
نستطيع أن نحسب ما خسرناه برحيل الإنسان، لكنّنا لا نستطيع، بالسهولة نفسها، أن نقول كَم كان يساوي وجوده. فبأي معيار نفعل ذلك أصلاً؟ بالعمر؟ بالإنجاز؟ بما كان يمكن أن يصبح عليه؟ بعدد الذين يحبّونه؟ أم بالأثر الذي سيتركه غيابه؟
كل معيار منها يضعنا أمام مأزق جديد. فالطفل الذي لم ينجز شيئاً بعد لا تقلّ قيمة حياته عن حياة من عاش طويلاً وحقق الكثير، والإنسان الذي عاش بعيداً من الأضواء لا تصبح حياته أقل شأناً لأنّه لم يترك اسماً يعرفه الناس. قيمة الإنسان لا تحتاج إلى سيرة ذاتية تثبتها.
وربما يبدأ الخلل حين نفترض أنّ الحياة شيء يمكن وضعه على كفّتَي ميزان، ثم ننتظر من الميزان أن يخبرنا أيهما أثقل. فالميزان يستطيع أن يقارن الأعداد، لكنّه لا يعرف شيئاً عن معنى أن يكون الإنسان حياً.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأصعب: كم تساوي حياة الإنسان؟ ولا حتى: مَن يملك الحق في أن يقرّر أنّ حياة إنسان أثمن من حياة آخر؟ ربما يبدأ السؤال الحقيقي عندما لا نعود واقفين خارج الميزان، بل نصبح جزءاً منه.
لنعد إلى السكة مرّة أخيرة. خمسة أشخاص في جهة، وشخص واحد في الجهة الأخرى. لكن هناك تفصيلاً واحداً لم تعرفه عندما اتخذت قرارك: ذلك الشخص الواحد... هو أنت. هل ما زالت 5 > 1؟